إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
434
زهر الآداب وثمر الألباب
قيضة كلب « 1 » على تلفيق خطب ، أزعجنى عن ذلك الفناء ، وأشرف بي على الفناء ، لولا ما تدارك اللَّه بجميل صنعه ، وحسن دفعه ؛ ولا أعلم كيف احتالوا ، ولا ما الَّذى قالوا ؛ وبالجملة غيّروا رأى السلطان ، وأشار علىّ إخواني ، بمفارقه مكاني ، وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة ، ونجدا أقصد أم تهامة ! ولو كنت في سلمى أجا وشعابها لكان لحجّاج علىّ دليل وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيّم لم يرج صحوه ، وماء إذا تغيّر لم يشرب صفوه ، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه ، وليس بين رضاه والسخط عوجة ، كما ليس بين غضبه والسيف فرجة ، وليس من وراء سخطه مجاز ، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز ؛ فهو سيّد يغضبه الجرم الخفىّ ، ولا يرضيه العذر الجلى ؛ وتكفيه الجناية وهي إرجاف ، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف ، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح ، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصّبح ؛ وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان ، ويحجب عن هذه العذر وله برهان ؛ وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح ، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح ؛ ودو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم ، ويغمض الأخرى عن الحلم ، فمزحه بين القدّ والقطع ، وجده بين السيف والنّطع ، ومراده بين الظهور والكمون ، وأمره بين الكاف والنون ؛ ثم لا يعرف من العقاب ، غير ضرب الرقاب ، ولا يهتدى من التأنيب إلا لإزالة النعم ، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم ، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة ، ودقة الشعرة ، ولا يحلم عن الهفوة ، كوزن الهبوة ، ولا يغضى عن السقطة ، كجرم النقطة ؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه ، والأرض تحت يده وقدمه ، لا يلقاه الولي إلا بفمه ، ولا العدو إلا بدمه ؛ والأرواح بين حبسه وإطلاقه ، كما أنّ الأجسام بين حله ووثاقة ؛ فنظرت فإذا أنا بين
--> « 1 » قيضة كلب : القيضة بالكسر هي العظم ، والمراد تحقيرهم بوصفهم بعظام الكلب